ابن ميثم البحراني
71
شرح نهج البلاغة
طول إقامتهم فيه فكشفوا غطاء تلك الأحوال لأهل الدنيا بالعبادات الواضحة والبيانات اللايحة حتّى كأنّهم في وصفهم لها عن صفاء سرائرهم وصقال جواهر نفوسهم بالرياضة التامّة يرون بأبصارهم ما لا يرى الناس ، ويسمعون بآذانهم ما لا يسمعون الناس . إذ يخبرون عن مشاهدات ومسموعات لا يدركها الناس ، ولمّا كان السبب في قصور النفوس عن إدراك أحوال الآخرة هو تعلَّقها بهذه الأبدان واشتغالها بتدبيرها والانغماس في الهيئات الدنيويّة المكتسبة عنها ، وكان هؤلاء الموصوفون قد غسلوا درن تلك الهيئات عن ألواح نفوسهم بمداومة ذكر اللَّه وملازمة الرياضة التامّة حتّى صارت نفوسهم كمر أي مجلوّة حوذي بها شطر الحقائق الإلهيّة فتجلَّت وانتقشت بها لا جرم شاهدوا بعين اليقين سبيل النجاة وسبيل الهلاك وما بينهما فسلكوا على بصيرة وهدوا الناس على يقين وأخبروا عن أمور شاهدوها بأعين بصائرهم وسمعوا بآذان عقولهم فكأنّهم في وضوح ذلك لهم وظهوره وإخبارهم عنه قد شاهدوا ما شاهده الناس بحواسّهم فشاهدوا ما لم يشاهده الناس وسمعوا ما لم يسمعوه . وقوله : فلو مثّلتهم بعقلك . أي استحضرت صورهم وأعمالهم في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة وهى مقامات العبادة ومجالسها . ودواوين أعمالهم : أذهانهم وما ثبت فيها من أفعالهم . ونشرها : تتّبع نفوسهم بأفكارها وتخيّلاتها لصور تلك الأعمال وتصفّحها لها المشبّهة لتصفّح الأوراق . والواو في قوله : وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة وكبيرة للبيان . ليستدعي بيان معنى المحاسبة ، ولمّا كان معناها ليستدعي محاسبا حتّى يكون النظر معه في رأس المال في الربح والخسران ليبيّن له الزيادة والنقصان ، وإن كان من فضل حاصل استوفاه وإن كان من خسران طالبه بضمانه وكلَّفه تداركه في المستقبل فكذلك العبد معامله نفسه الأمّارة بالسوء ، ورأس ماله الفرائض وربحه النوافل والفضائل ، والخسران المعاصي ، وموسم هذه التجارة جملة النهار فينبغي أن يكون للعبد في آخره ساعة يطالب بها نفسه ويحاسبها على جميع حركاتها وسكاناتها